ابن عطية الأندلسي

494

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

الْخَيْراتِ أن يكون المرء مغتنما للخمس ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : اغتنم خمسا قبل خمس ، شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل مماتك ، وغناك قبل فقرك ، فيكون متى أراد أن يصنع خيرا بادر إليه ولم يسوف نفسه بالأمل ، فهذه أيضا مسارعة في الخيرات ، وذكر بعض الناس قال : دخلت مع بعض الصالحين في مركب فقلت له : ما تقول أصلحك اللّه في الصوم في السفر ؟ فقال لي : إنها المبادرة يا ابن أخي ، قال المحدث : فجاءني واللّه بجواب ليس من أجوبة الفقهاء ، ثم وصف اللّه تعالى من تحصلت له هذه الصفات ، بأنه من جملة الصالحين ، و مِنَ يحسن أن تكون للتبعيض ، ويحسن أن تكون لبيان الجنس . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 115 إلى 117 ] وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 115 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 116 ) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 117 ) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر « تفعلوا وتكفروه » بالتاء على مخاطبة هذه الأمة ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالياء فيهما ، على مشابهة ما تقدم من « يتلون ويؤمنون » وما بعدهما ، وكان أبو عمرو يقرأ بالوجهين ، وتكفروه معناه : يعطى دونكم فلا تثابون عليه ، ومن هذا قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : من أزلت إليه نعمة فليذكرها فإن ذكرها فقد شكرها ، فإن لم يفعل فقد كفرها ، ومنه قول الشاعر : [ عنترة ] : [ الكامل ] : ( والكفر مخبثة لنفس المنعم ) وفي قوله تعالى : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ وعد ووعيد . ثم عقب تعالى ذكر هذا الصنف الصالح بذكر حال الكفار ، ليبين الفرق ، وخص اللّه تعالى « الأموال والأولاد » بالذكر لوجوه . منها أنها زينة الحياة الدنيا ، وعظم ما تجري إليه الآمال ، ومنها أنها ألصق النصرة بالإنسان وأيسرها ، ومنها أن الكفار يفخرون بالآخرة لا همة لهم إلا فيها هي عندهم غاية المرء وبها كانوا يفخرون على المؤمنين ، فذكر اللّه أن هذين اللذين هما بهذه الأوصاف لا غناء فيهما من عقاب اللّه في الآخرة ، فإذا لم تغن هذه فغيرها من الأمور البعيدة أحرى أن لا يغني وقوله تعالى : أصحابه إضافة تخصيص ما ، تقتضي ثبوت ذلك لهم ودوامه . وقوله تعالى : مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا الآية ، معناه : المثال القائم في النفوس من إنفاقهم الذي يعدونه قربة وحسبة وتحنثا ومن حبطه يوم القيامة وكونه هباء منثورا ، وذهابه كالمثال القائم في النفوس من زرع قوم نبت واخضرّ وقوي الأمل فيه فهبت عليه رِيحٍ فِيها صِرٌّ محرق فأهلكته ، فوقع